السبت، 2 مايو 2015

قراءة في كتاب المغرب والثورة الفرنسية بقلم - د. مصطفى الغاشي




تجدر الإشارة في البداية إلى أن الجامعة المغربية عرفت في السنوات الأخيرة طفرة كبيرة فيما يخص المواضيع المتناولة في الرسائل والأطروحات ، وهو ما يعني بأن انشغالات الجيل الجديد من الجامعيين المغاربة تختلف إلى حدّ ما عن انشغالات الجيل القديم، كما أن ذلك يعني بأن الجيل الجديد قد خلق آفاقا جديدة وهو ما يترجم تلك الرغبة في التميز سواء على مستوى اختيار المواضيع أو المناهج المعتمدة لإنجازها.

وفي هذا السياق يندرج عمل الدكتور عبد الحفيظ حَمّان الذي اختار موضوع أطروحته " المغرب والثورة الفرنسية " الصادر عن مؤسسة الزمن ضمن سلسلة شرفات ، الطبعة الأولى لسنة 2002 .

يقع هذا الكتاب ـ المستخرج من الأطروحة ـ في 260 صفحة ، ويضم تقديما للدكتور محمد سبيلا ، ومقدمة المؤلف ، ثم المدخل المخصص لموقع المغرب في علاقته بالقارة الأوربية خاصة فرنسا صاحبة حدث الثورة والتحولات الكبرى في أوربا . بالإضافة إلى ذلك يتكون هذا الكتاب من ثلاثة فصول في علاقة منهجية وموضوعية جد منسجمة .

* الفصل الأول : خصص لدراسة الثورة الفرنسية وتشكل العلاقات المغربية الفرنسية ما بين 1789 و 1798 ، وهو يحاول أن يجيب عن سؤالين كبيرين :

الأول : كيف تعرف المغاربة على حدث الثورة الفرنسية ؟

الثاني :ما هو شكل ونوعية العلاقات التي نسجت ما بين المغرب وفرنسا خلال السنوات الأولى للثورة ؟

* الفصل الثاني :خصص لدراسة موقف وعلاقات المغرب مع فرنسا الثورة أثناء الحملة الفرنسية على مصر : 1798 ـ 1801 . خلال هذا الفصل سعى الأستاذ حَمّان إلى تبيان أصداء الحملة الفرنسية على مصر، وكيف تعامل المغاربة معها . ومن جهة أخرى سعى لكشف الانعكاسات السياسية للحملة الفرنسية على مصر .

* الفصل الثالث : خصصه المؤلف لرصد ودراسة العلاقات المغربية الفرنسية خلال فترة حكم نابليون بونابرت 1801 ـ 1815 ، وهو أحد القادة العسكريين الذي نشأوا في أحضان الثورة الفرنسية وسعوا لنشر مبادئها وأفكارها في القارة الأوربية وفي الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط . وخلال هذا الفصل تطرق الباحث إلى تبيان مجالات العلاقات بين المغرب وفرنسا خلال هذه الفترة ، كما سعى إلى الكشف عن المشاريع التوسعية لنابليون في البحر الأبيض المتوسط والمغرب ، وهو الوجه الآخر الغير المكشوف في العلاقات المغربية الفرنسية مع مطلع القرن التاسع عشر .

وفي الأخير يضم الكتاب بالإضافة إلى الخاتمة والبيبليوغرافيا ملاحق لعدد من الوثائق البالغة الأهمية بالنسبة لموضوع الكتاب .

يقول الدكتور محمد سبيلا في تقديمه للكتاب :<< هذا الكتاب يقدم أطروحة متميزة في موضوعها وفي طريقة تناولها . لكن ما يميزها كذلك هو الجهد التوثيقي الذي قام به صاحبها حيث ذيل بحثه بوثائق فريدة تسلط الضوء على هذه الحقبة من تاريخ المغرب إبان الثورة ...هذا الكتاب يقدم مادة تاريخية وتحليلية وافرة موثقة لتاريخ المغرب في القرن الثامن عشر وعلاقاته الخارجية وصورته كدولة عريقة ذات سيادة ...>> .

يبدو من كلام الدكتور سبيلا أن قوة كتاب الأستاذ حَمّان ترتكز على عنصرين أساسيين :

ـ الأول : تميّز الأطروحة بموضوعها وطريقة تناولها .

ـ الثاني : المجهود التوثيقي سواء بالنسبة للوثائق المغربية أو الوثائق الأجنبية وخاصة الفرنسية . والعنصران معا يكشفان عن المجهود الكبير الذي بذله المؤلف لإنجاز هذا العمل الأكاديمي .

ويعتبر صاحب المشروع بأن المادة التاريخية التي توفرت له مكنته من الإجابة عن عدة أسئلة . وهذا صحيح ، إلا أن المجهود الذهني والتحليلي كان له دور كبير في صياغة الموضوع من خلال استنطاق النصوص والوثائق .

ففي الفصل الأول قدم الباحث أكثر من دليل مقنع عن التوقيت وكيفية اطلاع المغرب على حدث الثورة الفرنسية ، خاصة بالنسبة للمغرب الرسمي .، فإذا كانت الثورة قد اندلعت عام 1789 ، فإنها قد تزامنت مع سفارة القائد محمد الزوين الذي كان بعثه السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا والدولة العثمانية . ويبدو بعد عودة هذا السفير في يوليوز 1790 ، أنه تمكن من الاطلاع على الأوضاع السياسية في فرنسا ، وهو ما يعني بأن هذه السفارة كان لها دور كبير في إطلاع السلطة المركزية على الثورة الفرنسية بعد مرور حوالي سنة على الحدث . وإلى جانب عنصر السفارة ، اعتمدت السلطة المغربية على عنصر آخر لا يقل أهمية كمصدر للمعلومات عن الثورة الفرنسية ، ويتعلق الأمر هنا بالجهاز القنصلي الأوربي وخاصة الفرنسي المقيم بالمغرب ، والذي كان على اتصال دائم بما يجري في فرنسا ، وهو ما كان يؤدي إلى تداول هذه الأخبار بين عناصر السلطة المغربية .

أما الفئة المثقفة المغربية ،ونقصد هنا كما يذكر الباحث ( المؤرخون والعلماء )، فيبدو أنها ، رغم معرفتها واطلاعها بما حدث في فرنسا من ثورة ،إلا أنها غضت الطرف عن هذا الحدث في كتاباتها ومؤلفاتها ، إلا بعض الاستثناءات اليتيمة ، التي سجلها الأستاذ في صفوف المؤرخين كما في صفوف العلماء. ويفسر المؤلف هذا الموقف بتأثر أو التزام الفئة المثقفة المغربية بالموقف المغربي الرسمي من حدث الثورة الفرنسية الذي يتماشى مع موقف الدولة العثمانية بصفة عامة ، وكل ذلك ، يؤكد الباحث، يدخل تحت الدعاية الإنجليزية السلبية حول الثورة الفرنسية .

وإذا كان هذا صحيحا إلى حد ما ، فإن الفئة المثقفة المغربية لم تكن تشكل أوربا بالنسبة لها قيمة كبرى إلا في حدود جد ضيقة، وحتى عام 1800، خصوصا إذا ما قارنا ذلك بما كان يمثله الشرق العربي الإسلامي بالنسبة للنخبة المثقفة المغربية خلال الفترة الحديثة . فالواقع المادي لم يكن يشكل بالنسبة لهؤلاء قيمة كبرى ، وهذا راجع بالأساس إلى طبيعة التكوين الديني والثقافي والمرتبط أساسا بالدين . وبناء على ذلك فإن عدم الاهتمام بأحداث أوربا قد لا يكون أمرا مستغربا حتى ولو كان الحدث هو الثورة الفرنسية بذاتها .

وإذا كانت الفئة المثقفة المغربية لم تول أي اهتمام لحدث الثورة فإنها بالمقابل ـ وبشكل نسبي ـ لم تهمل الحديث عن الحملة الفرنسية على مصر . فإذا كان الزياني من حيث هو مثقف مخزني قد غض الطرف عن الحملة ، فإن الضعيف ضمّن مؤلفه معلومات عن الحدث الذي هزّ العالم الإسلامي يومها .

أما الفقهاء فقد أولوا للحملة أهمية خاصة في خطبهم وكتاباتهم الدينية . ويستنتج من كل ذلك أن المغرب لم يكن منعزلا عن الأحداث الدولية التي كانت تجري خارج حدوده ( فرنسا ، إسبانيا، مصر، والدولة العثمانية ). أما الرأي العام أو عامة المغاربة فلم يكن لهم علم بهذه الأحداث إلا بمقدار ما كان يقدمه الفقهاء والعلماء بالدرجة الأولى ثم المخزن بالدرجة الثانية .

أما عن تشكل العلاقات المغربية الفرنسية خلال هذه الفترة فإن الدراسة التي يقدمها الدكتور حَمّان ، بناء على الوثائق والمراسلات الدبلوماسية المتوفرة في الأرشيف الفرنسي والخارجية الفرنسية ، سعت إلى الاقتناع بأن السلطان سليمان نهج سياسة مع فرنسا الثورة تقوم على العلاقات المتوازنة مع الدول الأوربية وهو ما دفعه إلى السعي للحفاظ على علاقاته بفرنسا الثورة والحضور في العالم المتوسطي دون السقوط في سياسة المحاور أو الاستقطابات أو تأثير وضغط أي دولة . وقد تجاوبت فرنسا مع هذه السياسة خاصة وأنها كانت في صراع قوي مع إنجلترا وهي بحاجة إلى ترك المغرب بابا مفتوحا أمام علاقاتها ومشاريعها السياسية والاقتصادية .

لقد استطاعت هذه الدراسة من إلقاء الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ المغرب الذي ظل حاضرا في المشهد الدولي والمشهد المتوسطي عكس فكرة " العزلة " التي روجت لها الكتابات الفرنسية في دراستها لفترة السلطان سليمان .

في الفصل الثاني من هذا العمل يقدم المؤلف دراسة دقيقة وموثقة لعلاقات المغرب مع فرنسا الثورة في ظل السياسة التوسعية للحكومة الفرنسية سواء في أوربا أو البحر المتوسط بدافع تحويله إلى بحيرة فرنسية وهو ما أدى إلى احتلال مصر البلد الإسلامي والولاية العثمانية . وفي هذا السياق نجد المؤلف يتتبع المصادر التي نقلت أصداء الحملة على مصر، وتأسيسا على ذلك وقف المؤلف على الانعكاسات التي خلفتها الحملة الفرنسية على العلاقات المغربية الفرنسية مما مكنه من فهم واستيعاب السياسة التي نهجها المولى سليمان ليس فقط في علاقاته مع فرنسا الثورة وإنما القارة الأوربية ( إنجلترا على الخصوص ) والدولة العثمانية ، << ورغم هذه الظروف الدولية والإقليمية ، فإن السلطان سليمان ظل في ارتباط مع حكومة الثورة وحافظ على علاقاته الدبلوماسية والتجارية معها ، وإن كانت قد خضعت لعمليات المد والجزر حسب ما تمليه الظرفية الزمنية .كما أنه ظل في علاقات حسنة سواء مع الدولة العثمانية أو إنجلترا ، وهذا يعني أن كل أطراف النزاع التي كان لها وزن قوي في الساحة الدولية ظل السلطان في ارتباط معها ، ولم يخضع لأي ضغوط ولم يتحالف مع أي طرف ضد الآخر . >> .

لقد دفع هذا الاستنتاج المؤلف إلى بناء استنتاج آخر يلخصه في قوله :<< ... لا يمكن في رأينا الحديث أو وصف سياسة السلطان سليمان ب " سياسة العزلة " ، هذا الوصف الذي طالما استعملته بالأخص المراجع الأجنبية في الحديث عن هذه الفترة التاريخية للمغرب . فقد تبيّن لنا في مسار البحث أنه رغم الظرفية الصعبة التي تواجد فيها المولى سليمان على المستوى الخارجي والداخلي فإنه ظل مرتبطا سياسيا ودبلوماسيا وتجاريا بأوربا ...>> .

لا شك أن هذا الموقف المغربي يفرض التساؤل الذي طرحه المؤلف حول مدى تأثر أو تسرب أفكار الثورة الفرنسية إلى المغرب وانتشارها بين المغاربة ؟

لقد اقتنع الباحث بأن المغرب يختلف عن العديد من البلدان المشرقية الإسلامية التي تفاوتت فيما بينها من حيث التأثر بأفكار الثورة ( تركيا ومصر ). ولذلك فإنه بالنسبة للمغرب ظل بمعزل عن التأثيرات الفكرية للثورة الفرنسية ويفسر ذلك بالعناصر التالية :

أولا : العامل السياسي والثقافي ، وفي هذا الصدد عملت سياسة المولى سليمان وكذا تكوينه الثقافي والفقهي على الحيلولة دون تسرب الأفكار الثورية إلى المغرب ، وهو نفس الموقف الذي ينطبق على الفئة المثقفة التي يرجع تجاهلها لحدث الثورة إلى خضوعها للسياسة المخزنية في تعاملها مع الحدث من جهة ومن جهة ثانية تكوينها الثقافي والديني الذي لم يكن ينظر لأوربا كمجال حضاري خلال تلك الفترة .

ثانيا : العامل الجغرافي ، حيث لعب البحر الأبيض المتوسط ، العنصر الفاصل بين ضفة الشمال ( تحديدا فرنسا) وضفة الجنوب ( المغرب ) دورا كبيرا في منع تسرب الأفكار الثورية إلا في حدود جد ضيقة .

ثالثا : ظروف المغرب مع مطلع القرن التاسع عشر والمتمثلة في الجفاف والوباء ( ما بين 1799 ـ 1818 ) فقد كان لها تأثير كبير على الساكنة المغربية وبالتالي الجاليات الأوربية التي اضطرت إلى مغادرة المغرب مما أبعد المغرب إلى حد ما عن تأثيرات الأفكار الثورية .

في الفصل الثالث من الكتاب نجد دراسة معمقة للعلاقات المغربية الفرنسية خلال فترة حكم نابليون الذي عمل على نقل أفكار ومبادئ الثورة إلى خارج فرنسا وخاصة المناطق التي جرى احتلالها كإسبانيا الجارة الأقرب جغرافيا إلى المغرب أو الذي أصبح هو أيضا مهددا بالطموحات الاستعمارية النابليونية . وفي هذا الصدد سعى المؤلف إلى الكشف عن السياسة التوسعية لنابليون من خلال دراسة المشاريع التي اعتمدت عليها فرنسا لتحقيق أغراضها ( الهيئة القنصلية ، الجواسيس ، الاستخباريين ....) .

ويبدو أن هذا الاتصال المباشر بين المغرب وفرنسا خلال هذه الفترة سوف يؤدي إلى نقل معلومات هامة عن الثورة ( سفارة الحاج ادريس الرامي عام 1807 ). وهو ما تجلى في ردود فعل الفئة العالمة ورجال المخزن تجاه ما أصبحت تمثله ليس فقط القوة العسكرية الفرنسية بل الأفكار والمخططات والمشاريع القائمة على المبادئ الثورية والتي صار ينظر إليها كخطر وتهديد للمغرب . إلا أنه يستنتج من دراسة الأستاذ حَمّان أنه بالرغم من هذه الأخطار التي صارت تهدد المغرب فإن السلطان نهج سياسة متزنة إذ ظل في علاقات ودية مع فرنسا ( علاقات محدودة وإنما لم تنقطع ) ، وفي نفس الوقت حاولت فرنسا النابليونية أن تعكس من خلال علاقاتها مع المغرب أنه بلد صديق وليس بلدا عدوا ( المراسلات بين نابليون والسلطان سليمان )خصوصا وأن المغرب رفض الدخول في أي تحالفات ضد فرنسا ( إنجلترا وإسبانيا ). ويمكن القول على أنه في ظل هذا الصراع الدولي فإن الأفكار الثورية التي جاءت بها الثورة الفرنسية والتي اخترقت القارة الأوربية لم تستطع أن تجد لها آذانا أو عقولا أو قلوبا تؤمن بها في المغرب كما حدث في مصر والدولة العثمانية ، وهو ما أحدث صدمة كبرى من خلال صراع القديم والحديث أو الحداثة ، وزعزع الكثير من القيم القديمة الموروثة .

ليس هناك أدنى شك ـ كما يثبت البحث ذلك ـ في أن المغرب كان بالنسبة لفرنسا الثورة أو فرنسا نابليون مشروعا للتوسع حالت دون تحقيقه تطورات أوربا العسكرية والحربية . لقد تمكن البحث أن يجيب عن الأسئلة التي طرحت كفرضيات في بداية المشروع ، إلا أنها بالإضافة إلى ذلك فتحت آفاقا جديدة للبحث لخص الباحث بعضا منها ؛ كالدور الذي من الممكن أن تكون إنجلترا قد لعبته في توجهات المغرب السياسية سواء مع أوربا أو مع فرنسا الثورة .. وكدور الدولة العثمانية ومدى مساهمة الأرشيف العثماني في هذا المجال .

وفي الختام فإننا لا نبالغ إذا اعتبرنا بأن الكتاب " المغرب والثورة الفرنسية " هو إضافة نوعية كبحث تاريخي في موضوع دقيق ومعقد تمكن فيه المؤلف أن يدعم مشروعه بمادة تاريخية قوية وتوثيق متنوع ومركز ، وهو ما يجعل منه كما قال الدكتور سبيلا : << مرجعا تاريخيا وفكريا أساسيا لتاريخ المغرب الحديث >> .

الهوامش :

عبد الحفيظ حمان : المغرب والثورة الفرنسية ،منشورات الزمن،سلسلة شرفات9، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 2002 ،ص ص. 5ـ7.

ـ علم العامة بالأحداث الخارجية كان حسب القرب أو البعد من مصادر المعلومات .

ـ عبد الحفيظ حمان : نفسه ، ص. 199.

ـ نفسه .

ـ ألا يمكن القول بأن المغاربة لم يكن لهم اهتمام بأوربا حتى يكون لهم اهتمام بفرنسا الثورة .
 (1792-1822)
كان المغرب غير بعيد عن أحداث الثورة الفرنسية لسنة 1789م وبدأ يعي المتغيرات الدولية بالبحر الأبيض المتوسط وخطورة هذه الثورة على مصالح المغرب مما جعل من سلاطين المغرب ينهجون سياسة متزنة مع القوى الأوروبية خصوصا فرنسا النابليونية

إصدارات تاريخية برتغالية حول المغرب عثمان المنصوري




تقديم:
عرفت العشرية الأولى من هذا القرن، إصدار مجموعة من الكتب البرتغالية التي تناولت تاريخ المغرب وعلاقاته بالبرتغال، ونظرا لبقاء هذا النوع من الكتابات بعيدا عن متناول القارئ المغربي، بسبب عوائق اللغة وضعف التوزيع، فإن هذا العرض يتوخى التعريف بقسم من هذه الإصدارات التي تمكنا من الإطلاع عليها، وتقريب القارئ من مضامينها ومواضيعها، مع العلم أن قسما كبيرا مما يصدر من المؤلفات التاريخية البرتغالية له علاقة وثيقة بالمغرب بحكم تقاطع تاريخ البلدين في فترات متعددة منه ، بحيث لا يمكن أن تخلو أية دراسة عن الاكتشافات الجغرافية مثلا من الحديث عن المغرب الذي كان من أولى محطاتها، وكذلك الشأن عند الحديث عن منطقة الغرب في الفترة الوسيطية، وعن معركة وادي المخازن وعن الملك سباستيان، سواء في دراسات مستقلة أو ضمن الكتب المخصصة لتاريخ البرتغال العام. ويلاحظ تزايد اهتمام المؤرخين البرتغاليين بتاريخ البرتغاليين في المغرب وعلاقات البلدين، وهو ما يشرح تزايد الدراسات المنجزة، والعمل على نشر الكثير من المخطوطات والوثائق وتحقيقها. يتناول هذا العرض مجموعة من الكتب التي صدرت ما بين سنتي 2001 و 2010، مرتبة حسب تاريخ إصدارها.
وسيمكننا هذا العرض السريع المعرف بالإصدارات البرتغالية المرتبطة بالمغرب، من أخذ صورة عامة عن هذا الإنتاج، الذي يعكس اهتماما متزايدا من الباحثين البرتغاليين بهذ االتاريخ المشترك، وهو اهتمام بدأ يظهر منذ تسعينيات القرن الماضي، وخاصة سنة 1999، حيث أصدرت مؤسسة كامويش خمس كتب دفعة واحدة، وكلها بارتباط مباشر أو غير مباشر بالمغرب، وبالتاريخ العربي في البرتغال، وحرصت على طبعها باللغتين العربية والبرتغالية. وقد ظهر هذا الاهتمام من الندوات واللقاءات المتبادلة بين مؤرخي البلدين، والعدد الخاص من مجلة كامويش الذي خصص للعلاقات بين البلدين، بمناسبة مرور230 سنة على توقيع اتفاق السلم بين الدولتين، وساهم فيه مؤرخون من الجانبين1.
الملاحظ أن نصف هذه المؤلفات، اعتمد على نشر وتحقيق وثائق أو مخطوطات أو إعادة نشرها، وتطعيمها بدراسات تمكن من تدارك الهفوات السابقة و تسليط الضوء على ظروف إنجازها وما تتضمنه من إفادات للباحثين. كما أن بعض هذه الدراسات ترجمت إلى العربية (اثنتان) أوالفرنسية (واحدة)، سعيا منها إلى مخاطبة القارئ المغربي والعربي، وجعلها في متناوله. مما يبين وعي البرتغاليين بضرورة وجود لغة وسيطة (العربية أو الفرنسية) للانفتاح على نظرائهم المغاربة. كما نلاحظ تعدد الجهات الناشرة لهذه الأعمال من كليات ومعاهد ومجالس بلدية ومؤسسات ثقافية وغيرها.
الهوامش:
1- Camoes , Novembro 2004, N° 17-18, Relaçoes Luso-marroquinas,230 anos.
عثمان المنصوري | PDF طباعة إرسال إلى صديق  
Rafael Moreira, A construçao de Mazagao, cartas inéditas 1541-1542, Instituto Portugues Do Patrimonho Arquitectonico, Lisboa, 2001.
بناء مازيغن، رسائل غير منشورة (1541-1542). تقديم وتنسيق رافائيل موريرا، من جامعة لشبونة الجديدة ترجمة جانين كينتان و المهدي الزواق. صدر هذا الكتاب بلشبونة في سنة 2001، في 250 صفحة، بطباعة أنيقة على أوراق صقيلة، وهو ثمرة مجهود جماعي، شارك فيه مجموعة من الأساتذة من تخصصات مختلفة. وأشرف عليه المعهد البرتغالي للتراث المعماري. ويندرج في إطار مشروع فيدير للتعاون بين المغرب والبرتغال وإسبانيا حول إعداد التراب والتراث الثقافي. يركز هذا العمل على سنة 1541، التي شرع فيها البرتغاليون في إعادة بناء مدينة مازيغن وفق تصميم هندسي جديد يتناسب مع الأهمية التي حظيت بها المدينة من لدن البرتغاليين، ومع الدور الذي كان على المدينة أن تلعبه كمركز من أهم المراكز البرتغالية في المغرب آنذاك. ويشتمل على دراسة تمهيدية من إنجاز رافاييل موريرا، تطرق فيها إلى تاريخ المدينة منذ أن كانت حصنا صغيرا لدعم مدينة أزمور، إلى أن بدأ التفكير في تعزيز قدراتها العسكرية، وتحصينها وفق أحدث التصميمات ومواد البناء في القرن السادس عشر، لتكون قادرة على التصدي لهجومات المغاربة ولعوادي الزمن. كما استعرض ما عرفته المدينة من تطورات معمارية إلى غاية استرجاعها من لدن المغاربة، وتطرق إلى الصدى الذي خلفه استرجاعها من لدن المغاربة، والصيت الذي ارتبط باسم مازاغان في البرتغال والبرازيل، والأحوال التي توجد عليها حاليا. وبعد ذلك، يتضمن الكتاب سبعين وثيقة تعود إلى سنتي 1541-1542، اللتين تم فيهما البناء، وكلها تتطرق إلى المسائل المتعلقة بالدفاع وتحصين المدينة، والمهام التي أوكلت إلى بعض الخبراء والمهندسين لزيارة المدينة ودراسة التصاميم اللازمة لبنائها بشكل عصري ومواد البناء وسير الأشغال.
من حسنات هذا الكتاب، أن المؤلفين أولوا عناية خاصة، ليكون نشره بثلاث لغات هي العربية والفرنسية والبرتغالية، بغية استفادة أكبر عدد من المهتمين، وتجاوز عرقلة اللغة التي تقف عائقا أمام ذلك. فالنص العربي قدم بشكل مستقل من الغلاف الأيمن للكتاب، ويتضمن المقدمة ثم ملخصات موجزة للوثائق السبعين. أما النص البرتغالي فقد قدم من جهة الغلاف الأيسر، ويتضمن المقدمة، باللغتين البرتغالية والفرنسية، وتقديما مفصلا لنفس الوثائق الموجودة في أرشيف المكتبة الوطنية بلشبونة. وبعد ذلك نجد النص الكامل لهذه الوثائق السبعين مع ملخص لمضامينها بالفرنسية. ويعزز ذلك كله، مجموعة من الصور الفوتوغرافية للمعالم الأثرية للمدينة (39 صورة)، وبعض الخرائط والتصاميم القديمة (6 خرائط).
عثمان المنصوري | PDF طباعة إرسال إلى صديق
سمع الكثير عن هذه العائلة البرتغالية التي احتكرت التمثيل الدبلوماسي للبرتغال في المغرب لعقود عديدة، وكان لها دور كبير في تعزيز العلاقات بين الدولتين، وحضور في مدينة طنجة بين ممثلي البعثات الدبلوماسية الأجنبية، ولذلك قرر إنجاز كتاب عنها
يستعرض هذا الكتاب أفراد عائلة كلاصو مبتدئا بجورج كلاصو دي سار ( Jorge Colaço De Sarre ) المزداد سنة 1640، إلى آخر فرد منها وهو مارتين أنطونيو المزداد سنة1952. وعند التطرق إلى سيرة أي فرد من هذه العائلة، يقدم ما توصل إليه من معلومات، تتضمن عادة تاريخ ولادته، ووفاته، واسم زوجته وتاريخ ولادتها ووفاتها، واسم الأبناء مع تاريخ ولادة كل واحد منهم، وبعد ذلك يستعرض الأبناء واحدا واحدا بنفس الطريقة متتبعا شجرة العائلة بتفرعاتها المختلفة، وتتخلل ذلك كله وقفات تطول أوتقصر عن بعض الأحداث والمعلومات المتعلقة بهؤلاء الأفراد، ومنها، بالنسبة لموضوعنا، الأحداث التي شارك فيها أفراد هذه العائلة كممثلين للبرتغال، وما عاينوه وعاشوه من أحداث في طنجة، وعلاقاتهم بالمخزن المغربي، وبسكان المدينة، ومختلف النشاطات التي زاولوها. وقد عزز المؤلف كتابه هذا بملحق غني يتضمن جدولا بأسماء القناصل الذين تولوا مهمات باسم البرتغال، والمدد التي اشتغلوا فيها والأماكن، ومجموعة من الصور (44 صورة) تتعلق بالأسرة وبعض التحف الفنية. وختمه بنص المذكرات التي كتبها ألكسندر ري كلاصو مذكرات طنجية في 28 صفحة، وتتضمن بعض الذكريات والأحداث التي عاشها وعاينها بطنجة في القرن التاسع عشر. قبل مغادرتها سنة 1870 .
عثمان المنصوري | PDF طباعة إرسال إلى صديق
Joao Cosme , A guarniçao de Safim em 1511, Centro De Historia ,Universidade De Lisboa, Lisboa, 2004 .
حامية أسفي سنة 1511، تأليف جواو كوسمي ، من منشورات مركز التاريخ بجامعة لشبونة سنة 2004. والمؤلف أستاذ للتاريخ بكلية الآداب بلشبونة، ومختص في الديمغرافيا التاريخية وفي تاريخ الاكتشافات والتوسع البرتغالي.
يقع هذا الكتاب في 226 صفحة، ويتضمن مقدمة من ثلاثين صفحة، شرح فيها المؤلف الغرض من تأليف هذا الكتاب الذي خصصه لنشر مجموعة من الوثائق المتعلقة بأسفي سنة 1511

، وأكد على أن نشر المصادر الوثائقية هو وسيلة تسمح للباحثين بالاستفادة من مجال أفضل وأرحب للبحث، خاصة أنها تتجاوز عائق الباليوغرافيا وتيسر عليهم عملهم. وبذلك تكون الوسيلة الوحيدة لاستعمالها الكامل من قبل فئة عريضة من القراء، كما أنها تساعد أيضا على معرفة أفضل بالمعطيات البيوغرافية التي تسمح بتوسيع قاعدة من المعطيات الضرورية للبحث في الجوانب السوسيوغرافية وحتى السوسيولوجية في الحالة الخاصة المتعلقة بالوجود البرتغالي بالمغرب والتوسع البرتغالي على العموم.
تطرق المؤلف في المقدمة إلى تاريخ أسفي قبل الاحتلال البرتغالي، والنزاع بين المغرب والبرتغال ومملكة قشتالة، والوضعية السياسية الداخلية بالمغرب في عهد حكم بني وطاس، ثم الإدارة الموجودة بالحامية بمكوناتها : القبطان أو الحاكم وموظفو الخزينة والموظفون الدينيون وموظفو الصحة والعسكريون من فرسان وحرس ومدفعيين والطلائع والنفير والمشاة وخدام الملك ورجال العربات وغيرهم من السكان، وبعض الوظائف الأخرى: (إسكافيون وحدادون وخياطون وبناؤون ومعلمون في صناعة السكر). وبعد ذلك عرف بالمخطوط الذي يقدم بعض المعطيات عن الحضور البرتغالي في المغرب، ويسمح بتبين العناصر الرئيسية للحامية في أسفي بعد احتلالها سنة 1508.
بذل المؤلف في نشر هذا المخطوط مجهودا باليوغرافيا كبيرا لإعداد النص وتخريجه ليكون في متناول الباحثين، وهو في الأصل كناش/تقييد يتضمن حسابا على شكل إيصالات يمضي أصحابها على تسلمهم لرواتبهم عن الأشهر الأخيرة لسنة 1511، وتكاد تتكرر فيه نفس الصياغة: أدينا إلى فلان.. وصفته.. من أول أكتوبر إلى آخر دجنبر.. مبلغ كذا ومبلغ كذا ..ثم تأكيد التسلم :"...تسلم فلان حقيقة من الفيتور[الوكيل التجاري] المذكور المبلغ المذكور ..وحقا.. وقع هنا معي أنا الكاتب يوم كذا ..شهر كذا سنة كذا ثم الإمضاء ، ومن الأسماء التي يضمها هذا التقييد، نجد اسما معروفا هو يحي وتعفوفت :".. أدينا ليحي أوتعفوفت من الخمسين أوقية التي تؤدى له كل سنة، عن الأشهر الثلاثة الأخيرة أربعة آلاف ريال..."وهو مبلغ كبير بالمقارنة مع ما يتقاضاه كبار الموظفين من رواتب. وهناك مغربي آخر يدعى بولبركة تلقى مبلغ 555 ريالا وسيدي محمد 350 ريالا ومحمد ذ مراكش 1050 ريالا. وختم المؤلف كتابه بجداول مفصلة بأسماء الأشخاص وصفاتهم ومراتبهم العسكرية والمبالغ /الرواتب التي كانوا يتلقونها. ( 22جدولا ).
عثمان المنصوري | PDF طباعة إرسال إلى صديق
بالمخطوط الذي نشره بيير دو سينيفال مترجما إلى الفرنسية سنة 1934 (1(.
وعلى الرغم من تأكيد الباحث على القيمة العلمية لدراسة دو سينيفال، إلا أنه أشار إلى ما اعتراه من نقص وهفوات في التعامل مع النص الأصلي وترجمته، مما تطلب مراجعته وتصحيحه. وعرف المؤلف بالراهبين الأخوين أنطونيو وفرانسيشكو برانداو اللذين قاما بنسخ النسخة الأصلية بين سنوات 1630 و1680. لا يتضمن النص اسم الكاتب، ولكن المخطوط يتضمن معلومات كثيرة عنه يتبين منها أنه قدم إلى سانتاكروز صغير السن مع والده، وأنه تلقى أخبار المركز ممن أدركهم من المسنين الذين سبقوه إليه، كما عاين الأطوار الأخيرة من تاريخه والتي انتهت بتسليمه. ويغلب على الظن أنه بدأ في تدوين الكتاب بعد 16 سنة على استرجاع السعديين للمركز. أما المضمون فهو عبارة عن يوميات لأحداث عسكرية ارتأى الكاتب أنها تستحق أن تخلد، وقد عرضها بتسلسل زمني، من تأسيس الموقع إلى استعادته من لدن السعديين. ويتضمن المخطوط العديد من التفاصيل التي تتعلق بالحياة اليومية وأحوال القلعة، إضافة إلى الأحوال العامة في المغرب، والعلاقات بين البرتغالين ومحيطهم المغربي، وعلاقاتهم بالسلطة السعدية. والظروف التي كانوا يعانون منها خلال الأزمات، وخاصة حالات الحصار الشديد من قبل المغاربة.
بعد هذه الدراسات، نجد النص الكامل للمخطوط في 104 صفحة، محققا، مع توضيح بعض الاختلافات مع نص دو سينيفال، والأخطاء التي وقع فيها، وبعض الكلمات المشطبة التي لم يشر إليها. وقد حرص المؤلفون على نشر الكتاب باللغتين العربية والبرتغالية، مخصصين الصفحات اليسرى للنص البرتغالي واليمنى للنص العربي.
والجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تعريب هذا المخطوط، إذ سبق للأستاذ أحمد صابر أن نشر نص المخطوط ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، في سلسلة الوثائق رقم 1، بعنوان: تاريخ سانتا كروز- أكادير، نص برتغالي من القرن السادس عشر لمؤلف مجهول، وذلك سنة 1994. اعتمادا على النسخة التي ترجمها دوسينيفال إلى الفرنسية، وهو العمل الذي لم تتم الإشارة إليه في هذا الكتاب، على الرغم من أن المؤلف المغربي سبق أن أعد شهادة جامعية عن سانتا كروز وناحيتها: الوجودالبرتغالي (1505-1541) ويفترض فيه الإطلاع على النص المترجم. بل إن مقارنة الترجمة التي قام بها مؤلفو الكتاب مع ترجمة الأستاذ صابر، تبين أنهم عمدوا إلى نقل هذه الترجمة واعتمدوها بالأساس، وطعموها ببعض التعديلات التي قام بها المحقق البرتغالي على نص دو سينيفال. دون أدنى إشارة إليها، لا في الإحالات الهامشية، ولا في البيبليوغرافيا التي لا يتضمنها الكتاب بالمرة.
الهوامش:
1- Chronique de santa Cruz du Cap de Gué(Agadir). Texte Portugais du XVI° siècle, Paris, Paul Geuthener, 1934.